تلك الأيادي الرفيقة الآثمة
كتبهاإدريس الهبري ، في 9 مارس 2009 الساعة: 00:25 ص
"شاهد رديء للحياة من يغفل اليد التي تقتل برفق"، هكذا اختار نيتشه أن يدلنا على قتل من نوع آخر وذو طبيعة مغايرة تماما للقتل بحدود السيوف وفوهات البنادق وبعيد جدا عن دائرة نشاطاته الدموية؛ فيتبدى لنا خطر الأيادي الرفيقة التي تمارس القتل اليومي من دون أن تبلغ درجة انتباهنا إليها ذروتها.
ولأننا لا ننتبه في كثير من الأحيان إلى القتلة بيننا وهم يطلقون عنان أياديهم لقتل العقل والإنسان فينا برفق وهدوء تامين، سنظل نشيع جثامين ذواتنا كل يوم إلى مقبرة العجز عن قطع دابر كل الأيادي الآثمة التي تستهدف وجودنا الإنساني في عمقه.
هكذا إذن، ظلت المرأة العربية على رأس قائمة ضحايا هذه الأيادي القذرة، لأنها اكتشفت قدرة هذا الإنسان المؤنث غصبا على هدم الثابت وبناء نظام متحول باستمرار، ولأن التحول يرعب عرابي الثابت وسدنته ويمنحهم الشعور بالخطر الداهم والخوف من مغبة الموت القادم من رحم العقل، اجتهدوا في رسم صورة نمطية مشوهة وممسوخة للمرأة قرنتها بالشر والحقد والكيد والفتنة؛ ولا غرابة إذا كانت هذه الرؤية العقيمة قد شيدها القتلة الجدد على أساس نظري يرفض أن يرسم للمرأة صورة مغايرة بعيدة عن برواز الجسد والجنس. ولعل ما يفسر وجود هذا التصور الماسخ هو اتكاءهم على نص رافض لأي نقاش أو جدل عقلي، النص الذي قدم لنا المرأة على أنها كائن إنساني من الدرجة الثانية، ومنح للرجل بالمقابل كل مبررات الوجود بالقوة والعنف رغم أنف المشترك الإنساني وقيمة العدالة المؤسسة للوجود الحقيقي المتوازن، وفي طليعة هذه المبررات الخادعة يتجلى مبدأ القوامة الذي يعطي الرجل حق تقرير مصير الإنسانية وتوجيهها باعتباره المركز الذي تدور حوله كل الهوامش الممنوعة عنوة من أحقية المساهمة في التقرير والفعل والتنفيذ.
ذات يوم، وقف توماس توركمادا (1420 – 1498م)، القسيس الكاثوليكي والمفتش العام لمحاكم التفتيش بإسبانيا لمدة خمسة عشر عاما، لتنفيذ حكم الإعدام في حق أحد المنشقين عن الكنيسة الكاثوليكية حرقا، فقال قبل الأمر بالتنفيذ:"نحن نحرقك رحمة بك، حتى ننقذك من النار الأبدية في الآخرة"؛ وجاءت الأنوار فخلصت أوربا بأسرها من سطوة توركمادا وربق الكنيسة، فتقدمت أوربا مندفعة كالسهم مخترقة النظام الدائري المركزي، لأنها أدركت وهي في ذروة أنوارها أن عمليات التقدم والانحطاط في أي حضارة تتم من داخلها، بعيدا عن أي اعتقاد خاطئ بتدخل خارجي غاشم. لذلك لم نلحق بها رغم كل المحاولات لأن الحضارة الدائرية المركزية لا تتقدم أبدا حسب اعتقاد شبنجلر، خصوصا إذا كانت نفس الحضارة متمركزة حول نص منزه عن كل مساءلة أو جدل، وما هو كائن أمامنا أو خلفنا محض أمور صغيرة مقارنة بما هو داخلنا على حد تعبير أوليفر ويندل هولمز.
ترى سيمون دي بوفوار أن "الرجل يعرف على أنه إنسان. المرأة تعرف على أنها أنثى. وحينما تتصرف المرأة كإنسان، يقال لها أنها تقلد الرجل"، وهنا يكمن العطب الفكري الذي يشل حركة العقل للتقدم إلى الأمام حتى يبلغ مرحلة الاعتراف بأحقية المرأة في الأنسنة، وحين تطالب أصوات قلة بأنسنتها فهي لا تحاكي حضارة الغرب بالمطلق، لكنها تعلق آمالا عريضة على قدرة المرأة الخارقة على شطب الثابت ومعانقة المتحول، وحتى عندما تتهم هذه الأصوات بمحاكاة الغرب فلا يبدو أن التهمة كافية لكي نقودها إلى المقصلة، لأن القتلة ينظرون للغرب بعيونهم التي لا ترى في حضارته سوى الأفخاذ العارية، لأنهم بين الأفخاذ يركزن عيونهم، فيكون العيب في عيونهم وليس في الأفخاذ كما لخص سيد القمني هذا الرأي في إحدى مقولاته العميقة والنافذة إلى عمق سؤال الغرب والشرق.
وكل عام والمرأة بألف خير…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : وجهة نظر | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




































مارس 9th, 2009 at 9 مارس 2009 9:49 م
تحية تقدير لكل نساء العالم و أولهن أمي ، ثم شهيدات فلسطين..فحبيبتي..
كل عام و أنتن بخير
مارس 12th, 2009 at 12 مارس 2009 4:36 م
السلام عليك اخي العزيز إدريس الهبري لك مني خالص التحية و التقدير مع متمنياتي لك بالتقدم ولن يحصل لك التقدم إلا إذا زرتي مدونتي المتواضعة هههههههههههه امزح معك فقط أيها المدون أتمنى ان تزور مدونتي أيها العربي ..
مارس 12th, 2009 at 12 مارس 2009 4:37 م
لا تنسى ان تبلغ سلامي إلى الكتكوتة ميساء والشقيقة الكبرى سلمى..
مارس 12th, 2009 at 12 مارس 2009 9:37 م
8 مارس ونكبة الفيضانات
بالمناسبة أحييكن نساء “نكبات” المغرب، وخاصة ضحايا الفيضانات بمنطقة الغرب، لقد عشنا ورأينا كيف كانت نساء تحضنن أولادهن، ولا تعرفن أين تتجهن وسط بحر متلاطم من المياه الغاضبة، وقد غزت حقولا وقرى وهدمت بيوتا، وكانت الأم الحضن الدافئ لأطفال افتقدوا كل شيء، المحفظة والمنزل وصحون الدار وكؤوسها والوسادة الرطبة والملاءة…كانت الأمهات في الملاجئ الجماعية والقياطن والخيام أحرص ما يكنن على فلذات أكبادهن، في تلاحم أسطوري لا تعرفه ولا تقدره إلا الأم، أحييك سيدتي على صبرك وتضحيتك في وطن لم تنفع كل سدوده ونفقاته الباهضة على ذلك وكل مهندسيه وسلطاته من حماية منزلك المتواضع وحميميتك الخاصة من مياه أمطار لم تتوقف بضعة أيام، فحلت بيننا الكارثة، بينما دول أخرى تكاد لا تنقطع فيها الأمطار والعواصف والثلوج، والجميع فيها بسلام…
مارس 15th, 2009 at 15 مارس 2009 7:49 م
اذا تحولت المراة في الثقافة الغربية من (( مخلوق محتقر )) الى انسانة و لكن .. تعرض في وجهات محلات النخاسة العصرية .. و اداة لاثارة الشهوة على شاشات التلفزة و اغلفة المجلات .. و الى ماكنات في معامل الانتاج التي لا تتوقف … و وسيلة استهلاكية متفوقة لكل ما ينتجه الفكر الغربي الاستهلاكي … لا يعرف عصر للمرأة اسوء من عصر الثقافة الغربية التي حررتها من قيد الاحتقار لتقيدها بقيود الابتذال …. و للحق .. فان المرأة ليست مستهدفة اختصاصا في هذه الثقافة .. بل الانسان عموما .. امرأة كان هذا الانسان ام رجلا …. فهم في نظر هذه الثقافة مجرد ادوات للانتاج .. يسمح له في اقوات الفراغ ان يشبع غريزته اينما و حينما تسنح له الفرصة …و اذا كانت عاجزة عن اخذ قيمتها الانسانية بيدها فهي بالتأكيد لا تستحق هذه القيمة … ليس علينا ان ندلها وفق اهوائنا عن طريق ما .. ولكن لنترك لها الخيار .. و علينا ان نحترم خيارها … ثم انا سنستطيع مساعدتها اذا ما استطعنا اولا الظفر بيقمتنا كبشر حر .. لا عبيد … فهل نستطيع ان ندل المرأة على خلاصها و نحن بعد لم نعرف طريق الخلاص ؟؟!! … و لم نحقق شيئا لذاتنا اولا …. اننا نبدو كالاعمى الذي يرشد ضريرا …
لك تحيتي و تقديري
مارس 17th, 2009 at 17 مارس 2009 1:09 ص
مرحباً ..
مقالة مهمة و قيمة ..
أسعدتني قرأتها ..
تحياتي .
مارس 24th, 2009 at 24 مارس 2009 6:01 م
يا اخي والله ااشتقتلك كثير
اتمنى ان تكون بخير
مارس 26th, 2009 at 26 مارس 2009 3:46 م
هل الثابت الذي يحرس قلاع القهر يتمترس خلف النص المقدس فقط أم يسكن خلسة في العقول ويديرها ويتحكم فيها حتى عندما تتبرأ من نص نقله وأوله عقل ذكوري متمركز حول ذاته؟ أعتقد أن الاحتمال الثاني أقوى، لأن سلوك القهر يصدر من داخل سراويل دجينز آخر صيحة، وربطات آخر حداثة، وألسنة تنطق كل اللغات إلا لغة ذلك النص المتهم
أبريل 1st, 2009 at 1 أبريل 2009 3:57 ص
مقال في المستوى. أعجبني استهلاله الذي ينطلق من العام ثم يخلص إلى الخاص : وضعية المرأة في ظل مجتمعات المحنط .
لكن وجبت الإشارة إلى أن عصر الأنوار تم تحنيطه أيضا والموضوع يطول .
مع التحية يا مدون مكتوب الألمعي .
أبريل 1st, 2009 at 1 أبريل 2009 4:00 ص
الرابط إلى كاتالوج الملتقى معطل
أبريل 3rd, 2009 at 3 أبريل 2009 1:41 م
قاتل الجسم مقتول بفعلته
و قاتل الروح لا تدري به البشر
جبران خليل جبران
في رأيي،أول ضحايا هذه الأيادي في زمن القبح هذا هم الأطفال.
ثم المرأة .
تحية للأستاذ ادريس، دام لك الحضور و التألق.